جمال الدين بن نباتة المصري

457

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وهو من الثّلاثة المطبوعين الّذين لا يقدر على جمع شعرهم لكثرته : بشّار ، والسّيّد الحميرىّ ، وأبو العتاهية . كان أوّل أمره يبيع الجرار على رأسه ، ثم تولّع بالنّظم ، وكان فيه من العجائب ؛ قيل له : كيف تقول الشعر ؟ قال : ما أردته قطّ إلا تمثّل لي فاخذ منه ما أريد ، وأترك ما لا أريد . وكان أبو نواس يقول : ما رأيته قطّ [ إلّا ] « 1 » تمثل لي أنه سماوىّ ، وأنني أرضىّ . وأكثر شعر أبى العتاهية في الزّهد ، وكان قد تنسّك وتزهّد إلى أن مات . قال أحمد بن الحارث : كان مذهب أبي العتاهية القول بالتوحيد ، وأنّ اللّه تعالى خلق جوهرين متضادّين لا من شيء ؛ ثم إنّ اللّه تعالى بنى العالم هذه البنية منهما ، وأنّ العالم حديث العين والصّفة « 2 » لا محدث له إلّا اللّه ؛ وكان يزعم أنّ اللّه سيعيد كلّ شيء إلى الجوهرين المتّصلين قبل أن تفنى الأعيان جميعا ؛ وكان يقول بالوعيد ، وتحريم المكاسب ؛ وكان يتشيّع « 3 » على مذهب الزّيديّة ، ولا ينتقص أحدا ، ولا يرى الخروج على السّلطان . وكان مجبرا ؛ « 4 » حدّث الجاحظ ، قال : قال أبو العتاهية لثمامة بن أشرس بين يدي المأمون - وكان كثيرا ما يعارضه بقوله في الأخبار : أسألك عن مسألة ، فقال له المأمون : عليك بشعرك ! فقال : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في مسألته « 5 » ، ويأمره بإجابتى ! فقال : أجبه إذا سأل ، قال : أنا أقول : [ إنّ ] « 6 » ما يفعله العباد من خير وشرّ فهو من اللّه تعالى ، وأنت تأبى ذلك ، فمن حرّك

--> ( 1 ) من ت والأغانى 4 : 1 ( طبعة دار الكتب ) . ( 2 ) الأغانى : « والصنعة » ( 3 ) ت الأغانى : « ويتشيع » . ( 4 ) أي منسوبا إلى الجبر ؛ وهو القول بأن اللّه يجبر العباد على الذنوب ؛ أي يكرههم عليها ( 5 ) ط : 8 « مسألتي » ؛ والصواب ما أثبته من ت والأغانى . ( 6 ) من ت والأغانى .